ابن أبي الحديد

74

شرح نهج البلاغة

عن الاخر ، علمنا أنه لا قرين له سبحانه ، لأنه لو قارن شيئا على حسب هذه المقارنة لاستحال انفكاكه عنه ، فكان محتاجا في تحقق ذاته تعالى إليه ، وكل محتاج ممكن ، فواجب الوجود ممكن هذا محال . ثم شرع في تفصيل المتضادات ، فقال ( ضاد النور بالظلمة ) ، وهما عرضان عند كثير من الناس ، وفيهم من يجعل الظلمة عدمية . قال ( والوضوح بالبهمة ) يعنى البياض والسواد . قال ( والجمود بالبلل ) ، يعنى اليبوسة والرطوبة . قال ( والحرور بالصرد ) يعنى الحرارة والبرودة ، والحرور ها هنا مفتوح الحاء ، يقال انى لأجد لهذا الطعام حرورا وحرورة في فمي ، أي حرارة ، ويجوز أن يكون في الكلام مضاف محذوف ، أي وحرارة الحرور بالصرد ; والحرور ها هنا يكون الريح الحارة ، وهي بالليل كالسموم بالنهار ، والصرد البرد . ثم قال وانه تعالى مؤلف بين هذه المتباعدات ، المتعاديات : المتباينات ، وليس المراد من تأليفه بينها جمعه إياها في مكان واحد ، كيف وذلك مستحيل في نفسه ، بل هو سبحانه مؤلف لها في الأجسام المركبة حتى خلع منها صوره مفردة ، هي المزاج ، الا ترى انه جمع الحار والبارد والرطب واليابس ، فمزجه مزجا مخصوصا حتى انتزع منه طبيعة مفردة ، ليست حارة مطلقة ، ولا باردة مطلقة ، ولا رطبة مطلقة ، ولا يابسة مطلقة ، وهي المزاج ، وهو محدود عند الحكماء بأنه كيفية حاصلة من كيفيات متضادة ، وهذا هو محصول كلامه عليه السلام بعينه . والعجب من فصاحته في ضمن حكمته ، كيف أعطى كل لفظة من هذه اللفظات ما يناسبها ويليق بها ، فأعطى المتباعدات لفظة ( مقرب ) ; لان البعد بإزاء القرب ،